
في تطور لافت يكشف عن تحولات نوعية في أدوات الجماعات الإرهابية، فجّرت اعترافات الإرهابي القيادي علي محمود محمد عبد الونيس—عقب ضبطه في مارس 2026—مفاجآت خطيرة حول توظيف الوسائط الرقمية الحديثة، وعلى رأسها “البودكاست”، كمنصات خفية لاستقطاب الشباب وتوسيع دوائر الدعم للعمليات المسلحة.
ولم تقتصر هذه الاعترافات على كشف بنية تنظيمية أو الإطاحة بخلايا إرهابية، بل امتدت لتعرية آليات “القوة الناعمة” التي سعت حركة “حسم” إلى توظيفها لاختراق وعي جيل المنصات الرقمية، عبر أدوات تبدو في ظاهرها إعلامية، بينما تخفي في مضمونها خطابًا تعبويًا موجّهًا.
وكشف عبد الونيس عن الدور المحوري لما يُعرف بـ“مؤسسة ميدان”، التي وصفها بأنها الذراع السياسي للحركة، وتُدار من خارج البلاد بواسطة قيادات هاربة، في مقدمتهم يحيى موسى ورضا فهمي ومحمد إلهامي. وأوضح أن هذه المؤسسة تبنّت استراتيجية تستهدف كسر العزلة المفروضة على التنظيم، عبر النفاذ إلى شرائح شبابية جديدة، لا سيما من خارج التيار الإسلامي التقليدي، داخل مصر وخارجها.
وبحسب الاعترافات، اعتمدت المؤسسة على خطاب مغاير للنهج المتشدد المعتاد، حيث جرى تقديم محتوى إعلامي بواجهة “تحليلية” أو “حوارية”، يهدف إلى إعادة تشكيل الصورة الذهنية للتنظيم، وتقديم عناصره باعتبارهم فاعلين سياسيين، بما يسهم في خلق حالة من التعاطف أو القبول المجتمعي.
وفي هذا السياق، برز استخدام “البودكاست” كأداة مركزية في عملية الاستقطاب، من خلال تسجيل حلقات رقمية مع عناصر قيادية، من بينها محمد مناع المعروف إعلاميًا بـ“محمد منتصر”. ووفقًا لما أدلى به المتهم، لم تكن هذه الحلقات مجرد نقاشات إعلامية، بل صُممت بعناية لتؤدي دورًا في “إعادة هندسة الوعي”، عبر تمرير رسائل غير مباشرة تستهدف تبرير العنف وتغليفه بأطر سياسية أو ثورية.
وأشار إلى أن هذه المنصات ركزت بشكل خاص على استهداف الشباب من ذوي المهارات التقنية والخلفيات الثقافية المتنوعة، بهدف استقطاب كوادر قادرة على إدارة المعركة الإعلامية جنبًا إلى جنب مع الأنشطة الميدانية، بما يعكس تحولًا نحو نمط “الحروب الهجينة” التي تمزج بين التأثير الإعلامي والعمل المسلح.
كما أوضح أن الخطاب المستخدم جاء بصياغات عصرية تتناسب مع جمهور المنصات الرقمية، في محاولة لبث رسائل تشكك في مؤسسات الدولة، وتطرح العنف كخيار بديل للتغيير، في إطار استغلال واعٍ لطبيعة المحتوى الرقمي وسرعة انتشاره.
وتعكس هذه الوقائع، وفق ما كشفته التحقيقات، إدراكًا متقدمًا من الأجهزة الأمنية لطبيعة التهديدات المستحدثة، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على تعقب التحركات الميدانية، بل امتدت لرصد وتتبع “الخطاب الرقمي” باعتباره أحد أخطر أدوات التأثير والتجنيد.
وفي المحصلة، تمثل هذه القضية نموذجًا كاشفًا لتطور أدوات الجماعات المتطرفة، وتؤكد أن المواجهة لم تعد أمنية فقط، بل فكرية وإعلامية بالأساس، ما يفرض تعزيز الوعي المجتمعي كخط دفاع أول في مواجهة محاولات استهداف عقول الشباب عبر المنصات الحديثة.



