ما وراء الإنجازات .. محمود السعيد الرجل الذي يقود طموح البحث العلمي في جامعة القاهرة

26 سبتمبر 2026آخر تحديث :
كتب: عماد جبر
ما وراء الإنجازات .. محمود السعيد الرجل الذي يقود طموح البحث العلمي في جامعة القاهرة
نائب رئيس جامعة القاهرة

هناك رجال تمر أسماؤهم في المناصب، وهناك رجال تترك أعمالهم أثرًا يبقى بعد أن تمر السنوات وفي رحاب جامعة القاهرة، تلك المؤسسة التي ارتبط اسمها بتاريخ العلم والفكر وصناعة العقول، تتجدد دائمًا الحكايات التي تستحق أن تُروى؛ حكايات رجال لم ينظروا إلى المسؤولية باعتبارها منصبًا، وإنما باعتبارها أمانة، وإلى الجامعة باعتبارها مكانًا للعمل فقط، وإنما باعتبارها وطنًا صغيرًا للعلم، ومنارة يجب أن تظل مضيئة مهما تغيرت السنوات.
ومن بين هذه النماذج يبرز اسم الأستاذ الدكتور محمود السعيد، نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون الدراسات العليا والبحوث، الذي جاء إلى موقعه محملًا بمسؤولية ثقيلة: الحفاظ على مكتسبات جامعة عريقة، ودفع منظومتها البحثية إلى آفاق أكثر رحابة، وربط العلم بالابتكار، والبحث باحتياجات المجتمع، والباحث المصري بالمشهد العلمي العالمي.
ومنذ صدور القرار الجمهوري بتعيينه نائبًا لرئيس جامعة القاهرة لشئون الدراسات العليا والبحوث في أغسطس 2023، ارتبط دوره بملفات استراتيجية تستهدف تطوير قطاع الدراسات العليا والبحوث وتنفيذ سياسات جامعات الجيل الرابع وتعزيز تنافسية الجامعة عالميًا.
ليست حكاية منصب.. وإنما حكاية أثر
اللافت في مسيرة الدكتور محمود السعيد أن الحديث عن دوره لا يتوقف عند اجتماع أو قرار أو فعالية، وإنما يمتد إلى منظومة كاملة من الملفات التي تمس قلب العملية البحثية والأكاديمية.
فالبحث العلمي بالنسبة لهذه الرؤية ليس مجرد أبحاث تُنشر في دوريات علمية، وإنما منظومة تبدأ من الباحث، وتمر بالفكرة، ثم المعرفة، فالابتكار، وصولًا إلى أثر حقيقي يمكن أن يخدم المجتمع والتنمية.
وفي هذا الإطار، شهدت جامعة القاهرة خلال الفترة الأخيرة خطوات متتابعة في تطوير بيئة البحث العلمي، وتعزيز التنافسية الدولية، ودعم الابتكار، والتوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة.
من الورقة البحثية.. إلى صناعة المعرفة
في يونيو 2026، أطلقت جامعة القاهرة الإصدار الثاني من دليلها المؤسسي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في ممارسات البحث العلمي.
وكان للدكتور محمود السعيد دور محوري في الإعلان عن الدليل وتوضيح أهدافه، مؤكدًا أنه يمثل نقلة نوعية مقارنة بالإصدار الأول، من خلال تحديث أدوات ومنصات الذكاء الاصطناعي وتقديم تطبيقات عملية في تحليل البيانات، ومراجعة الأدبيات العلمية، وإدارة المراجع، واكتشاف الفجوات البحثية، وتطوير النماذج البحثية، وإعداد المخطوطات العلمية وتحسين فرص النشر الدولي.
والأهم أن التجربة لم تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد تقنية حديثة، بل ربطت استخدامه بالنزاهة العلمية والشفافية وحماية الملكية الفكرية والبيانات البحثية والمسؤولية الأكاديمية.
وهنا تظهر إحدى أهم ملامح الرؤية: أن تدخل التكنولوجيا إلى الجامعة، دون أن تخرج منها القيم التي صنعت مكانتها.
جامعة القاهرة.. حين تتحدث الأرقام
ولأن الإنجاز العلمي لا يُقاس بالكلمات، جاءت نتائج جامعة القاهرة في التصنيفات الدولية لتقدم أحد المؤشرات على تطور الأداء البحثي.
ففي تصنيف U.S. News & World Report لعام 2026، تقدمت جامعة القاهرة إلى المركز 221 عالميًا مقارنة بالمركز 248 في إصدار 2025، مع استمرارها في المركز الأول بين الجامعات المصرية والثاني أفريقيًا.
كما ظهرت الجامعة ضمن أفضل 50 تخصصًا عالميًا في ثلاثة مجالات، من بينها المركز 13 عالميًا في علم الأدوية والسموم، والمركز 31 عالميًا في الرياضيات، والمركز 47 عالميًا في علوم البوليمرات.
وفي تصنيف شنغهاي للتخصصات الأكاديمية لعام 2026، ظهرت جامعة القاهرة في 17 تخصصًا مقابل 16 تخصصًا في العام السابق، بينما صعدت خمسة تخصصات إلى شرائح عالمية أعلى، وظهرت 8 تخصصات ضمن أفضل 200 عالميًا.
وكان الدكتور محمود السعيد قد أكد أن هذه النتائج تعكس تطور جودة وتأثير الإنتاج العلمي وتنامي التعاون البحثي الدولي، مع استمرار الجامعة في دعم النشر العلمي والبحوث البينية والتطبيقية.
الابتكار.. عندما تخرج الفكرة من المختبر
ولأن البحث الذي لا يجد طريقه إلى التطبيق يظل نصف رحلة، جاء الاهتمام بالابتكار ليحتل مساحة واضحة في منظومة العمل.
وفي يوليو 2026، نظمت جامعة القاهرة المنتدى الثالث للابتكار «الابتكار والبحث العلمي من أجل صناعة مستقبلية وتنمية مستدامة» تحت إشراف الدكتور محمود السعيد.
وتناول المنتدى الابتكار وريادة الأعمال، ونقل وتوطين التكنولوجيا، وربط مخرجات البحث العلمي باحتياجات الصناعة، والاقتصاد المعرفي والصناعات المستقبلية، إلى جانب تسويق المخرجات البحثية والابتكارية.
كما تضمن معرضًا للابتكار والبحث التطبيقي وورش عمل متخصصة، بما يفتح مساحات أكبر للتواصل بين الباحثين والجامعة وقطاعات الصناعة والتنمية.
وهنا تتجسد فلسفة مهمة: أن يتحول البحث من نتيجة مكتوبة إلى قيمة مضافة، ومن فكرة علمية إلى مشروع، ومن مشروع إلى حل يخدم الناس.
«المساعد الذكي».. حين تصبح التكنولوجيا في خدمة الباحث
وفي سبتمبر 2026، أطلقت جامعة القاهرة تطبيق «المساعد الذكي» لطلاب الدراسات العليا، في خطوة تعكس الانتقال من الحديث عن التحول الرقمي إلى تطبيقاته العملية.
وييسر التطبيق رحلة الطالب منذ التعرف إلى البرامج والتخصصات، وصولًا إلى شروط الالتحاق وإجراءات التقدم.
وأوضح الدكتور محمود السعيد أن التطبيق يمثل إضافة نوعية إلى منظومة الخدمات المقدمة للطلاب والباحثين، ويهدف إلى تيسير رحلتهم الأكاديمية والوصول إلى المعلومات المطلوبة بصورة أكثر سهولة.
إنها صورة أخرى من صور التطوير؛ فالمستقبل لا ينتظر الجامعة، وإنما يجب أن تكون الجامعة حاضرة في صناعته.
أبواب العالم مفتوحة أمام الباحث المصري
ولم يتوقف الدور عند تطوير البيئة الداخلية، بل امتد إلى تعزيز التعاون الدولي.
وفي لقاء مع نائب عمدة بكين، ناقش الدكتور محمود السعيد سبل تطوير التعاون بين جامعة القاهرة والجامعات الصينية، بما في ذلك إنشاء برامج بدرجات مشتركة أو مزدوجة في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وتبادل أعضاء هيئة التدريس والطلاب.
وأشار خلال اللقاء إلى وجود 27 اتفاقية تعاون مع جامعات صينية، مؤكدًا أهمية توسيع التعاون البحثي والتعليمي وتبادل الخبرات والمنح والأبحاث المشتركة.
وهو توجه يضع الباحث المصري أمام مساحة أوسع من الحركة والتواصل والمنافسة والتكامل مع المؤسسات العلمية الدولية.
تكريم العلماء.. صناعة بيئة تحفز على الإبداع
وفي يونيو 2026، أعلنت جامعة القاهرة أسماء الفائزين بجوائز الجامعة لعام 2025/2026، حيث تم تكريم 40 عالمًا وباحثًا في مجالات وجوائز متعددة، من بينها التميز والتقديرية والرواد والتفوق العلمي والتشجيعية وشباب الباحثين والنشر العلمي المتميز.
وأكد الدكتور محمود السعيد أن إجراءات الترشح والتحكيم تمت وفق معايير الشفافية والموضوعية من خلال لجان علمية متخصصة، مشيرًا إلى أن الجوائز تمثل حافزًا للباحثين لمواصلة الإبداع والابتكار وتعزيز تنافسية الجامعة في مؤشرات البحث العلمي العالمية.
فدعم البحث العلمي لا يعني فقط تمويل الأبحاث، وإنما يعني أيضًا تقدير صاحب الفكرة، والاحتفاء بالباحث، وإعطاء المتميزين الدافع للاستمرار.
محمود السعيد.. رؤية تتجاوز حدود المكتب
ربما تكون أجمل قراءة لمسيرة الدكتور محمود السعيد أن دوره لم يتشكل داخل مكتب إداري مغلق، وإنما ظهر في ساحات متعددة: بين الباحثين، وفي المؤتمرات والمنتديات، وفي لقاءات التعاون الدولي، وفي ملفات الذكاء الاصطناعي والابتكار، وفي متابعة مؤشرات الأداء البحثي، وفي دعم منظومة الدراسات العليا.
فالمسؤولية هنا لا تبدو مجرد إدارة قطاع، وإنما إدارة حركة علمية كاملة؛ حركة تحتاج إلى رؤية، وإلى متابعة، وإلى قدرة على قراءة المستقبل قبل أن يصبح حاضرًا.
وفي النهاية.. يبقى الأثر
في النهاية، لا تحتاج الإنجازات الحقيقية إلى كثير من الزخارف؛ فالأرقام تتحدث، والمبادرات تشهد، والنتائج تترك أثرها.
وفي جامعة القاهرة، حيث تتعاقب الأجيال ويبقى العلم هو القاسم المشترك بينها، يواصل الدكتور محمود السعيد أداء دوره في واحد من أكثر الملفات حساسية وأهمية؛ ملف الدراسات العليا والبحث العلمي.