هل نحن في زمن التلفزيون؟

خبير إعلامي يؤكد: التلفزيون وسيلة مضمونة البقاء وسط بنية رقمية ضعيفة

3 ديسمبر 2020آخر تحديث :
كتبت: ياسمين عبد السلام
هل نحن في زمن التلفزيون؟
د. خالد صلاح الدين أستاذ الإذاعة والتلفزيون

“التلفزيون كوسيلة إعلامية مرئية ترفيهية لن يندثر مهما شاهدنا من تطورات تكنولوجية، فالشعوب بطبيعتها تميل لكل ما هو مرئي أكثر من المطبوع، هكذا تقول القاعدة المتعارف عليها إعلاميا “Seeing is believing”، والتي تعني أن المرئي هو الحقيقة، خاصة لدى فئة كبار السن،

وفي الدول التي تصل نسبة الأمية بها لأكثر من 37%، هذه الدول تتسم ببنية رقمية ضعيفة قادرة على حماية هذه الوسيلة الإعلامية التي نتحدث عنها”، هكذا أكدت الدراسات الغربية على أن التليفزيون كوسيلة إعلامية غير قابل للاندثار،

ولكن مع تطوير صناعته، وإعادة هيكلته إداريا من حيث الرؤية والأهداف والرسالة المقدمة، إلى جانب مواكبة التطورات التكنولوجية الحديثة التي تصلنا نحن الدول النامية بعد أكثر من عشر سنوات من بداية ظهورها بالدول الغربية، ونوهت تلك الدراسات إلى أن هذه الوسيلة الإعلامية التقليدية أصبحت مهددة البقاء بالدول المتقدمة فقط، نتيجة للتقدم التكنولوجي والرقمي السريع الذي تشهده، والذي لا تتحمله سرعات الانترنت بالدول النامية.

محتويات المقال

بنية رقمية ضعيفة تضمن بقاء الوسيلة التقليدية

هكذا قال د. خالد صلاح الدين، أستاذ الإذاعة والتلفزيون بكلية الإعلام جامعة القاهرة، والذي له رؤية خاصة، فمصر ضمن قائمة الدول المصنفة عالميا كأقل سرعة في الدخول على شبكة الانترنت، ففي الدول الغربية، بإمكان المواطن متابعة جميع الأحداث لحظة بلحظة على الانترنت، ومشاهدة الأفلام والبرامج وتحميلها في أقل من 10 دقائق، فهو ليس مضطرا لانتظار انتهاء الإعلانات التلفزيونية التي تستغرق ساعتين إضافية إلى زمن الفيلم الأصلي، “في مصر لما بنهرب من إعلانات التلفزيون ونفتح فيلم أو برنامج على الانترنت ونبدأ في تحميله بيستغرق أكتر من 4 ساعات نتيجة للخدمة الرديئة للانترنت، وفي الآخر يظهرلك رسالة بفشل التحميل، وبالتالي بنتحمل مشاهدة الإعلانات التلفزيونية في سبيل مشاهدة الفيلم وبدون تكلفة وسحب داتا”، هكذا قال.

اليوتيوب سيصبح تطبيقا تقليديا

“اليوتيوب بعد سنوات قليلة سيصبح تطبيقا تقليديا للغاية في دول الغرب المتقدمة”، فلم يعد هو الوسيلة الإعلامية الوحيدة لمشاهدة الأفلام والبرامج، وإنما تطور أمريكا وبعض الدول حاليا الكثير من التطبيقات الرقمية والبرامج التي ستفوق كفائتها كفاءة تطبيقات اليوتيوب والانستجرام والفيسبوك بمراحل عدة، والمعروفة بالـ Smart web  والتي تعني التطبيقات الذكية، والعمل على استحداث أنماط جديدة أكثر تقدما، هكذا يفعل عالم الكمبيوتر والمهندس الإنجليزي تيم بيرنرز لي، الذي طرح شبكة الويب العالمية تجاريا في بداية التسعينيات، والذي يعمل ومجموعة من زملاءه على إدخال كل ما هو جديد من أجل الوصول الرقمي الأسرع والأسهل للمعلومة، وذلك من خلال تيسيير التعامل مع الوسيلة وهو ما يعرف بـ”Easy access”، من خلال الضغط على بعض الأيقونات تُفتح عشرات النوافذ المرئية أمام المتلقي، ومن ثم مشاهدة ما يريد، ولكن في مقابل المشاهدة الفردية، على عكس التلفزيون الذي تجتمع حوله الأسرة بأكملها، وفق ما قاله صلاح الدين.

وسيلة لا تتيح التفاعل

ولكن، ما يراه أستاذ الإذاعة والتلفزيون تهديدا حقيقيا للوسيلة التقليدية (التلفزيون)، أنها وسيلة غير تفاعلية فالجمهور متلقي سلبي، لا يمكنه التفاعل مع المحتوى المُقدم، بالإضافة إلى كونه محتوى لا يطلبه المشاهد ولا يرغب فيه، فالاتجاه الجديد بقنوات التلفزيون الحكومية والخاصة هو تقديمها لذات المحتوى، فلا يشعر المشاهد بالتنوع أو إمكانية التنقل بين القنوات لمشاهدة محتوى مختلف، إلى جانب الفواصل الإعلانية التي لا تنتهي ويمل منها المشاهد ولا يستطيع الفرار منها، فهي تحاصره على جميع القنوات وفي نفس التوقيت، ولا يمكن للمشاهد طلب منع الإعلانات ولكن الحل الوحيد هو غلق الجهاز، ومع ظهور الـ New media أصبح لدينا الحرية في تخطي مشاهدة الإعلان المصاحب للفيديو.

منظومة القنوات لا تحترم المشاهد المصري

وعلى الجانب الآخر، أشار إلى الجودة الرقمية المقدمة على شاشات القنوات الخاصة بمصر، والتي وصفها بأنها جودة بالغة السوء، فهناك تقنيات حديثة تم تبنيها منذ حوالي عشرين عاما في اليابان لم نطبقها نحن حتى الآن، “القنوات الخاصة تبحث عن الربح المادي فقط دون احترام المشاهد وحقه في التمتع بجودة عالية وتقنيات الحركة الحديثة، تلك التقنية التي لا يرغبون تطبيقها هربا من التكلفة المادية، فالقنوات الخاصة مشاريع استثمارية ربحية من الدرجة الأولى”، هكذا قال د. خالد، مؤكدا على أن أصحاب هذه القنوات ينظرون للمشاهد المصري على أنه أمي اللغة والثقافة ايضا.

وأضاف صلاح الدين أننا كأمة عربية وخاصة مصر لا نمتلك صناعة تليفزيونية حقيقية، فالأعمال الدرامية والتلفزيونية يتم انتاجها مرة واحدة كل عام وتعرض خلال موسم شهر رمضان، إلى جانب التجاهل الواضح للأعمال الدينية والتاريخية، على الرغم من أننا شعب متدين بالدرجة الأولى، والحجة أن هذه الأعمال تتطلب قدرة مالية انتاجية عالية التكلفة، وهو عكس ما تفعله دول العالم المتقدم، التي لا يهتم شعوبها بهذه النوعية من الأفلام إلا قليلا، ولكن بالرغم من ذلك هناك اهتماما واضحا بها، وتظل تعرض لأكثر من 10 سنوات، فتتوالى أرباح الصناعة على أربابها وعلى الدولة المتبنية لها.

50 مليون مصري يتعامل مع الإنترنت

كل هذه العوامل أدت إلى تراجع نسب المشاهدة للتلفزيون المصري كما أكد الخبير الإعلامي، خاصة القنوات الحكومية والتي كانت تحظى بنسبة مشاهدة عالية قبل ظهور القنوات الخاصة، هذه النسب التي ظلت مرتفعة إلى أن ظهر الإعلام الجديد، فحوالي 52.3% من المجتمع المصري يتعامل مع الإنترنت وفقا للإحصائية الأخيرة لعام 2019، أي ما يعني تعرض أكثر من 50 مليون مواطن للإنترنت، وهو رقم ليس بهين، يتضمن 66.3% من الشباب فقط من فئة عمرية تتراوح بين الـ 18 – 35 عام، هذه النسبة التي يتعرض منها ما يقرب من 12 مليون شاب مصري لشبكات التواص الاجتماعي، “للإعلام الجديد نصيب كبير في المشاهدة منذ عام 2004 حتى 2011، هذا النصيب الذي ارتفع بصورة طردية عالية جدا بعد عام 2011، نتيجة للأحداث السياسية والاجتماعية”، كما أوضح.

قضاء الإعلام الجديد على صناعة التلفزيون شماعة

وعلى الجانب الآخر، أشار د. خالد إلى أنه ربما هناك تفكير في إعادة هيكلة التلفزيون المصري – الذي يضم حوالي سبع وثلاثين قناة – وإغلاق الكثير من القنوات والاكتفاء بعدد محدود منها، كأمثال الفضائية المصرية، ومصر الإخبارية، وقناة للمنوعات، وذلك على المستوى الحكومي، لكنه الحل الذي سيتسبب في مشكلة كبيرة من حيث البعد الاجتماعي وموظفي التلفزيون المصري، “من هنا بنبدأ ندور على شماعة نعلق عليها عجزنا عن التصرف .. الشماعة دي هي الـ New media، ولكن مفيش وسيلة بتقضي على وسيلة، والدليل تقديم الرئيس الأمريكي لخطابه كل يوم سبت من الراديو الأمريكي لمدة من 7 إلى 10 دقائق رغم وجود كل الوسائل الإعلامية الحديثة”، هكذا قال، فالراديو لم ينتهي كوسيلة إعلامية مع ظهور التلفزيون، وبدولة السويد هناك محطة إذاعية خصصت للتوفيق بين الأزواج، مما يدل على اهتمام هذه الدول بجميع الوسائل الإعلامية، التقليدي منها والجديد، ولكن مع إعادة هيكلتها وتطوير محتواها المقدم وإشباعها لاحتياجات الجمهور.

قرار حاسم بإلغاء صحفنة التلفزيون

وفيما يتعلق بتطوير صناعة التلفزيون إداريا، أكد أستاذ الإذاعة والتفزيون على ضرورة إعادة النظر في بعض العناصر، وهم الرؤية، الرسالة، الأهداف، القيم، والاتصال التنظيمي داخل القنوات من خلال البعد عن مفاهيم “الشللية والمحسوبية والرشوة”، وذلك في إطار السياسة العامة للدولة، وإعطاء الموهوبين ذوي الخبرة الفرصة لتولي إدارة هذه المنظومة من خلال جيل معد إعلاميا واعي بمعايير المهنة وأخلاقياتها، هذا إلى جانب ضرورة إلغاء ما يسمى بـ “صحفنة التلفزيون”، وهم الصحفيون الذين يقومون بتقديم البرامج التلفزيونية، فللصحفي أسلوبه وألفاظه ولغة حوار خاصة به لا تتناسب مع ما يتم عرضه على شاشات التلفزيون والصورة الذهنية للمذيع لدى المشاهد.

البحث عن مصادر تمويلية جديدة

وأضاف أنه لابد من إيجاد مصادر تمويلية جديدة للتلفزيون، وتبني تجارب ناجحة كتجربة الـبي بي سي، من خلال طرح أسهم يقوم بشرائها البعض، من أجل “إعلام نظيف” دون سب وقذف ومشاهد خارجة، إلى جانب ضرورة تطوير المحتوى المقدم، وتنوع المصادر المستعان بها في البرامج، ومعالجة القضايا المعاصرة الحيوية التي تمس الجمهور مباشرة، بالإضافة إلى ضرورة زيادة مساحة الحرية المتاحة للقنوات الخاصة والحكومية، على أن تظل هذه الحرية مسؤولة نابعة من ضمير الإعلامي، مشيرا إلى ضرورة وجود ميثاق شرف أخلاقي لضبط المحتوى ودليل ممارسة المهنة لمعرفة ما يمكن تقديمه وما لا يجب أن يقدم، وضرورة إدراك الفروق بين احتياجات الأجيال وكيفية إشباعها.