السكتة الدماغية .. عندما يستغيث المخ ولا يملك الجسد رفاهية الانتظار

لواء طبيب محمد السيد محمد بحبح يحذر: دقائق معدودة قد تصنع الفارق بين النجاة والإعاقة .. والخطأ الأول قد يكون الأخطر

منذ 3 ساعاتآخر تحديث :
كتب: عماد جبر

السكتة الدماغية .. عندما يستغيث المخ ولا يملك الجسد رفاهية الانتظار
قد تبدأ الحكاية بكلمة لم تكتمل، أو جملة خرجت متعثرة من فم إنسان كان يتحدث قبل لحظات بصورة طبيعية، وقد تبدأ بيد توقفت فجأة عن الاستجابة، أو ابتسامة انحرفت دون سابق إنذار، أو بتنميل غامض اجتاح أحد جانبي الجسم. وربما يكون الإنذار أكثر عنفًا، في صورة صداع مفاجئ وشديد للغاية لم يشعر الإنسان بمثله من قبل. في تلك اللحظة تحديدًا، لا يكون أمام المريض وأسرته وقت طويل للتفكير أو الانتظار، لأن ما يبدو عرضًا عابرًا قد يكون بداية واحدة من أخطر الحالات الطبية التي تهدد المخ، وقد تكون الدقائق التي تمر دون تدخل طبي مناسب هي الفاصل الحقيقي بين إنقاذ المريض وتركه يواجه إعاقات قد ترافقه سنوات طويلة.
إنها السكتة الدماغية، ذلك العدو الذي قد يقتحم حياة الإنسان دون استئذان، وينقل الشخص في لحظات من حياته الطبيعية إلى معركة قاسية مع الحركة والكلام والوعي، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى فقدان الحياة. ولهذا يوجه اللواء طبيب محمد السيد محمد بحبح، استشارى المخ والأعصاب، تحذيرًا بالغ الأهمية إلى المرضى والأسر، مؤكدًا أن السكتة الدماغية ليست حالة يمكن التعامل معها بالانتظار أو التجربة المنزلية، وإنما طارئ طبي يحتاج إلى سرعة شديدة في التقييم والتشخيص وبدء العلاج المناسب.
عبء لا يتحمله المريض وحده
ويشير اللواء طبيب بحبح إلى أن السكتة الدماغية تشكل عبئًا صحيًا واجتماعيًا واقتصاديًا كبيرًا على المجتمع والأسر التي يصاب أحد أفرادها بهذا المرض، إذ لا تتوقف آثارها عند لحظة الإصابة، وإنما قد تمتد إلى حياة الأسرة بأكملها إذا ترتب عليها فقدان القدرة على الحركة أو الكلام أو الاعتماد على النفس، وما يتبع ذلك من احتياج إلى العلاج والتأهيل والرعاية لفترات طويلة.
وتزداد احتمالات الإصابة بالسكتة الدماغية مع التقدم في العمر، إلا أن الخطر لا يرتبط بالسن وحده، إذ تلعب الأمراض المزمنة وعوامل نمط الحياة دورًا بالغ الأهمية. ويأتي ارتفاع ضغط الدم ومرض السكري وارتفاع نسبة الدهون في الدم، إلى جانب أمراض القلب وتصلب الشرايين، في مقدمة العوامل التي تزيد من احتمالات الإصابة. كما تمتد دائرة الخطر إلى العادات غير الصحية، وفي مقدمتها التدخين وتعاطي المخدرات والكحوليات والسمنة المفرطة والإفراط في تناول الوجبات السريعة وغير الصحية، فضلًا عن التلوث البيئي الذي أصبح تحديًا عالميًا له انعكاساته على الصحة العامة.
ليست سكتة واحدة.. والتشخيص الخاطئ قد يحول العلاج إلى خطر
ويؤكد استشارى المخ والأعصاب أن السكتة الدماغية ليست نوعًا واحدًا، وإنما تشمل الجلطات الدماغية ونزيف المخ والنزيف تحت العنكبوتية، ورغم الاختلاف الكبير بين هذه الحالات من حيث طبيعتها وآلية حدوثها وطرق علاجها، فإن الأعراض قد تتشابه إلى حد كبير، وهو ما يجعل التشخيص الدقيق والسريع أمرًا بالغ الأهمية. فليس كل مريض تظهر عليه أعراض السكتة الدماغية مصابًا بجلطة، كما أن التعامل مع الحالة على أساس التخمين قد تكون له عواقب شديدة الخطورة، لأن العلاج المناسب لنوع معين من السكتات قد لا يكون مناسبًا لنوع آخر، ولذلك فإن تحديد طبيعة الإصابة لا يمكن أن يتم بالاعتماد على الأعراض وحدها، وإنما يحتاج إلى تقييم طبي عاجل والفحوص والتصوير اللازمين.
وهنا تكمن واحدة من أخطر الرسائل التي يجب أن تصل إلى كل أسرة: لا تحاول أن تشخّص السكتة الدماغية بنفسك، ولا تحاول أن تحدد نوعها من المنزل، ولا تبدأ في إعطاء المريض أدوية من تلقاء نفسك. فالفارق بين الجلطة والنزيف ليس تفصيلًا طبيًا بسيطًا، وإنما نقطة جوهرية يتوقف عليها اختيار العلاج، وقد يؤدي الخطأ فيها إلى تدهور خطير في حالة المريض.
علامات صغيرة قد تخفي وراءها كارثة كبيرة
وقد تظهر السكتة الدماغية بصورة مفاجئة، ومن أبرز العلامات التي تستوجب الانتباه الفوري حدوث تلعثم مفاجئ أو صعوبة في الكلام، أو ضعف مفاجئ في أحد الأطراف، أو في الذراع والساق بأحد جانبي الجسم، إلى جانب اعوجاج مفاجئ في الفم أو تنميل مفاجئ في أحد جانبي الجسم. وفي بعض الحالات قد تكون العلامة الأبرز صداعًا شديدًا ومفاجئًا يصفه المريض بأنه أسوأ صداع مر به في حياته، وقد يصاحب ذلك تدهور في مستوى الوعي أو حدوث نوبات تشنج.
وهذه الأعراض لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد إرهاق أو انخفاض عابر في الضغط أو السكر، كما لا ينبغي انتظار اختفائها تلقائيًا. فظهور عرض عصبي بصورة مفاجئة يستوجب التعامل معه باعتباره حالة طبية طارئة حتى يثبت العكس، لأن الوقت في مثل هذه الحالات ليس مجرد عنصر إضافي في العلاج، وإنما عامل بالغ الأهمية في تحديد النتائج التي قد يصل إليها المريض.
في السكتة الدماغية.. الوقت ليس ذهبًا فقط، بل قد يكون خلايا من المخ
ويشدد بحبح على ضرورة التوجه الفوري إلى أقرب مستشفى عند ظهور أي من هذه الأعراض، حتى تتم مناظرة المريض بصورة عاجلة، وتبدأ إجراءات التشخيص وتحديد العلاج المناسب، أو يتم تحويله سريعًا إلى أحد المراكز المتخصصة في المخ والأعصاب إذا كانت حالته تحتاج إلى إمكانات أكثر تخصصًا.
فكل دقيقة تمر دون تقييم وعلاج مناسب قد تعني مزيدًا من الضرر لخلايا المخ، وقد تنعكس على حالة المريض وفرص تحسنه ودرجة العجز التي قد يعاني منها بعد الإصابة. ولهذا فإن الانتظار، مهما بدا قصيرًا، قد يكون قرارًا بالغ الثمن. فالمريض الذي يصل إلى المستشفى في الوقت المناسب يمنح الفريق الطبي فرصة أفضل لتقييم حالته واتخاذ القرار العلاجي المناسب، بينما قد يؤدي التأخير إلى فقدان فرصة مهمة للتدخل المبكر.
أخطاء شائعة.. لكنها قد تكون أخطر من المرض نفسه
ومن أبرز الأخطاء التي يحذر منها استشارى المخ والأعصاب التأخر في نقل المريض إلى المستشفى، وانتظار أن تتحسن الأعراض من تلقاء نفسها، أو التوجه إلى الصيدلية للحصول على دواء بدلًا من طلب الرعاية الطبية العاجلة. ومن الأخطاء الأكثر خطورة إعطاء المريض أدوية لسيولة الدم من تلقاء النفس قبل التأكد من نوع السكتة الدماغية، لأن الحالة قد تكون ناتجة عن نزيف وليس جلطة، وبالتالي فإن إعطاء بعض الأدوية دون تشخيص طبي قد يؤدي إلى تفاقم النزيف وتدهور الحالة.
ولهذا يجب أن تتوقف تمامًا فكرة أن الأسرة تستطيع التعامل مع السكتة الدماغية اعتمادًا على خبرة سابقة أو نصيحة من أحد الأقارب أو دواء موجود في المنزل. المريض يحتاج إلى المستشفى، وليس إلى التجربة، ويحتاج إلى التشخيص، وليس إلى التخمين. وكلما كان الوصول إلى الرعاية الطبية أسرع، كان ذلك أفضل للتعامل مع الحالة وفقًا لتقييم الأطباء والفحوص اللازمة.
رسالة أخيرة من استشارى المخ والأعصاب
إن السكتة الدماغية قد تبدأ في لحظة صامتة، لكنها لا تحتمل الصمت من جانب الأسرة. وقد تكون أول علامة مجرد كلمة متلعثمة أو ابتسامة مائلة أو يد لم تعد تتحرك كما كانت، لكن وراء هذه العلامة البسيطة قد يكون المخ في سباق مع الزمن. ولذلك فإن الوعي بالأعراض، ومعرفة التصرف الصحيح، والابتعاد عن الأخطاء الشائعة، أمور قد تصنع فارقًا حقيقيًا في حياة المريض.
والرسالة الأهم التي يجب أن يتذكرها الجميع هي أن ظهور أعراض السكتة الدماغية بصورة مفاجئة يستوجب التحرك فورًا، وليس الانتظار؛ فلا وقت لتجربة علاج منزلي، ولا وقت للذهاب إلى الصيدلية، ولا وقت لإعطاء أدوية لسيولة الدم دون تشخيص. ففي هذه الحالات تحديدًا، قد تكون الدقائق التي نعتقد أنها قليلة هي الدقائق التي تحدد مستقبل إنسان كامل.
وللحديث بقية بإذن الله تعالى..