
في مشهد علمي وإنساني يعكس اهتمام الدولة برفع الوعي الصحي ومواجهة الأمراض العصبية المزمنة، تحولت قاعة المحاضرات بمستشفى بولاق الدكرور العام إلى منصة للعلم والأمل، بعدما احتضنت ندوة طبية متخصصة حول مرض التصلب المتعدد (Multiple Sclerosis – MS)، بمشاركة نخبة من كبار أساتذة واستشاريي المخ والأعصاب، الذين قدموا خلاصة خبراتهم العلمية أمام الأطباء والمتخصصين، مؤكدين أن الوعي المبكر هو السلاح الأقوى في مواجهة المرض.
وشهدت الندوة تفاعلًا كبيرًا من الحضور، حيث تناول المحاضرون أحدث ما توصل إليه العلم في تشخيص المرض وعلاجه، مع تصحيح العديد من المفاهيم المغلوطة، وتوجيه رسائل طمأنة للمصابين وأسرهم بأن المرض أصبح من الأمراض التي يمكن التعايش معها بصورة طبيعية إذا تم اكتشافه مبكرًا والالتزام بالخطة العلاجية.
اللواء طبيب محمد سيد بحبح: التشخيص المبكر يصنع الفارق.. والـMS ليس نهاية الحياة
وأكد اللواء طبيب محمد سيد بحبح، خلال محاضرته، أن مرض التصلب المتعدد أو MS يعد أحد أمراض المناعة الذاتية المزمنة، حيث يهاجم الجهاز المناعي الغلاف الواقي للأعصاب داخل المخ والحبل الشوكي، مما يؤدي إلى اضطراب انتقال الإشارات العصبية بين المخ وبقية أعضاء الجسم.
وأوضح أن المرض قد يظهر في صورة أعراض متفرقة تختلف من مريض لآخر، وهو ما يجعل التشخيص الدقيق يعتمد على التاريخ المرضي، والفحص الإكلينيكي، وأشعة الرنين المغناطيسي، إلى جانب بعض الفحوصات الطبية المتخصصة التي تساعد في تأكيد الإصابة واستبعاد الأمراض المشابهة.
وأضاف أن التعامل الصحيح مع المرض يبدأ بعدم الخوف منه، بل بسرعة التوجه إلى طبيب المخ والأعصاب عند ظهور أي أعراض غير معتادة، مؤكدًا أن التطور الكبير في وسائل التشخيص والعلاج خلال السنوات الأخيرة ساهم في تحسين جودة حياة المرضى بصورة ملحوظة، وأن الالتزام بالعلاج والمتابعة الدورية يمثلان حجر الأساس في السيطرة على المرض والحد من مضاعفاته.
الدكتورة دينا زمزم: المرض يصيب الشباب في عمر الإنتاج.. والنساء الأكثر عرضة للإصابة
ومن جانبها، أوضحت الدكتورة دينا زمزم، أستاذ المخ والأعصاب، أن مرض التصلب المتعدد يعد من أكثر الأمراض العصبية التي تستهدف فئة الشباب، حيث تظهر أغلب الحالات في الفئة العمرية ما بين 18 و45 عامًا، وهي المرحلة الأكثر نشاطًا وإنتاجًا في حياة الإنسان.
وأضافت أن المرض يصيب الجنسين، إلا أن نسب الإصابة بين السيدات تعد أعلى مقارنة بالرجال، مشيرة إلى أن العامل الوراثي يمثل نسبة محدودة لا تتجاوز 4% من إجمالي الحالات، ما يؤكد أن المرض ليس وراثيًا بالمعنى التقليدي.
وأشارت إلى أن الأشخاص الذين ينتمون إلى عائلات لديها تاريخ من أمراض المناعة الذاتية، أو يعانون من نقص فيتامين D، قد يكونون أكثر عرضة للإصابة، وهو ما يستدعي الاهتمام بالفحص الطبي والمتابعة الدورية، مع الحفاظ على نمط حياة صحي يدعم كفاءة الجهاز المناعي.
العميد طبيب أحمد سعيد: العلاج أصبح متنوعًا.. والالتزام بالخطة العلاجية ضرورة لا تقبل الاجتهاد
وأكد العميد طبيب أحمد سعيد، رئيس وحدة مرضى التصلب المتعدد بالقوات المسلحة، أن الطب الحديث شهد طفرة كبيرة في علاج مرض MS، حيث أصبحت هناك أنواع متعددة من الأدوية والعلاجات التي يحددها الطبيب وفقًا لنوع المرض، ودرجة النشاط، والحالة الصحية لكل مريض.
وأوضح أن بعض العلاجات تعطى عن طريق الحقن، وأخرى في صورة أقراص أو محاليل وريدية، وجميعها تهدف إلى تقليل نشاط المرض، والحد من الانتكاسات، وإبطاء تطور الحالة، مؤكدًا أن اختيار العلاج لا يتم إلا بواسطة الطبيب المختص بعد تقييم شامل للمريض.
وشدد على ضرورة الالتزام الكامل بالجرعات المحددة ومواعيد المتابعة وعدم إيقاف العلاج أو تغييره من تلقاء النفس، محذرًا من اللجوء إلى وصفات أو علاجات غير معتمدة علميًا أو الانسياق وراء الشائعات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لما قد تمثله من خطورة على صحة المريض.
وأشار إلى أهمية توفير العلاج للمرضى من خلال الجهات الصحية المختصة وبرامج العلاج المعتمدة، بما يضمن حصول كل مريض على الدواء المناسب وفقًا للبروتوكولات العلاجية الحديثة.
الدكتورة آلاء أبو ستيت: أعراض متنوعة تستوجب سرعة التشخيص.. والوعي هو خط الدفاع الأول
وقالت الدكتورة آلاء أبو ستيت، أستاذ مساعد المخ والأعصاب بجامعة عين شمس، إن أعراض مرض التصلب المتعدد تختلف من شخص لآخر، وقد تشمل ضعف أو تنميل بالأطراف، واضطرابات في الرؤية، وعدم الاتزان، وصعوبة الحركة، والإجهاد الشديد، إلى جانب أعراض أخرى تختلف باختلاف مكان الإصابة داخل الجهاز العصبي.
وأكدت أن ظهور مثل هذه الأعراض لا يعني بالضرورة الإصابة بالمرض، لكنه يستوجب سرعة مراجعة طبيب المخ والأعصاب لإجراء الفحوصات اللازمة والوصول إلى التشخيص الصحيح في أسرع وقت.
وأضافت أن الوقاية الكاملة من المرض ليست ممكنة حتى الآن، إلا أن الحفاظ على نمط حياة صحي، وعلاج نقص فيتامين D عند وجوده، والابتعاد عن العوامل التي قد تؤثر سلبًا على الصحة العامة، مع المتابعة الطبية المستمرة، كلها عوامل تساعد في تحسين الحالة وتقليل فرص حدوث المضاعفات لدى المصابين.
الدكتور مينا الجزار يزف بشرى لمرضى التصلب المتعدد: العلاج على نفقة الدولة متاح بمستشفى بولاق الدكرور العام
واختتم الدكتور مينا الجزار، وكيل مديرية الشؤون الصحية بالجيزة، فعاليات الندوة برسالة حملت الكثير من الطمأنينة والأمل، مؤكدًا أن مرضى التصلب المتعدد لم يعودوا يواجهون المرض وحدهم، مشيرًا إلى أن هناك قرار علاج على نفقة الدولة لمرضى MS يتم تقديمه من خلال مستشفى بولاق الدكرور العام، بما يضمن حصول المرضى على الرعاية الطبية والعلاج اللازم وفقًا للضوابط المعمول بها.
وأكد أن مديرية الشؤون الصحية بالجيزة تولي اهتمامًا كبيرًا برفع مستوى الخدمات المقدمة لمرضى الأمراض المزمنة، مشددًا على استمرار تنظيم الندوات العلمية والتوعوية، ودعم الفرق الطبية بأحدث البروتوكولات العلاجية، بما يسهم في تقديم خدمة صحية تليق بالمواطن المصري.
واختتمت الندوة برسالة إنسانية اتفق عليها جميع المشاركين، مفادها أن مرض التصلب المتعدد لم يعد حكمًا بالعجز كما كان يُعتقد في الماضي، بل أصبح مرضًا يمكن التعايش معه والسيطرة عليه، متى توافرت المعرفة، والتشخيص المبكر، والعلاج الصحيح، والدعم النفسي والطبي المستمر






