30 عامًا من العذاب .. طفل طموه يخوض في مياه الصرف.. فمن ينقذ الأهالي قبل أن تتحول المأساة إلى كارثة؟

مشروع بدأ منذ ثلاثة عقود ولم يكتمل.. أسر تستنزف أموالها في سيارات الكسح.. أطفال يولدون على رائحة الصرف ويكبرون وسط المعاناة.. واستغاثة أخيرة إلى وزيرة التنمية المحلية ومحافظ الجيزة: «كفى انتظارًا.. نريد حلًا الآن»

8 أغسطس 2026آخر تحديث :
كتب: عماد جبر

30 عامًا من العذاب .. طفل طموه يخوض في مياه الصرف.. فمن ينقذ الأهالي قبل أن تتحول المأساة إلى كارثة؟
أن تنظر إلى صورة لطفل صغير يقف وسط مياه ملوثة، فذلك وحده كافٍ لأن يدفعك إلى السؤال: كيف وصل الحال إلى هنا؟ وكيف أصبح الطريق إلى بيت طفل في قرية مصرية يمر وسط مياه الصرف الصحي؟ والأكثر قسوة من الصورة نفسها أن تعرف أن هذا المشهد، بحسب ما يؤكده أهالي طموه والمنيل بمحافظة الجيزة، ليس وليد أزمة طارئة، ولا نتيجة يوم عابر، وإنما حلقة جديدة في معاناة يقولون إنها تمتد لنحو ثلاثين عامًا، منذ أن بدأ الحديث عن مشروع للصرف الصحي لم يكتمل حتى الآن، لتبقى الأسر في مواجهة مياه ملوثة وروائح خانقة وطفوحات متكررة، بينما تضطر إلى الاستعانة بسيارات الكسح ودفع أموال من دخلها الخاص للتعامل مع مشكلة يفترض أن تكون لها منظومة وحل نهائي.
ثلاثون عامًا.. حاول أن تستوعب الرقم قبل أن تكمل القراءة. ثلاثون عامًا تعني أن طفلًا كان يمكن أن يولد يوم بدأ المشروع، ثم يكبر، ثم يصبح شابًا، ثم يتزوج وينجب طفلًا، بينما يظل السؤال نفسه معلقًا: متى ينتهي الصرف؟ ثلاثون عامًا تعني أن جيلًا كاملًا عاش وهو يسمع عن المشروع، وجيلًا آخر جاء إلى الدنيا ليجد المشكلة نفسها أمامه، وكأن الزمن تحرك في كل شيء إلا هنا. ولذلك فإن الحديث عن «تأخير مشروع» لم يعد وصفًا كافيًا لما يحدث؛ لأن التأخير عندما يمتد ثلاثة عقود يتحول إلى معاناة يومية، والمعاناة اليومية عندما تطال الأطفال والبيوت والطرق والصحة والمال تتحول إلى قضية لا تحتمل مزيدًا من التأجيل.
المشهد الذي يرويه الأهالي اليوم يبدأ من الشارع، لكنه لا ينتهي عند الشارع. طفل يريد العودة إلى منزله فيجد المياه في طريقه، أم تخشى على أطفالها من الاقتراب منها، أسرة تنظر إلى مياه الصرف أمامها ولا تعرف متى تختفي، ورب أسرة يحسب من جديد تكلفة سيارة الكسح التي ستأتي لتزيل جزءًا من المشكلة، ثم تعود المشكلة مرة أخرى. ومع كل مرة يدفع المواطن من جيبه، تتسع الفجوة بين ما يتمناه وبين ما يعيشه، حتى يصبح السؤال أكثر مرارة: كم مرة يجب على المواطن أن يدفع ثمن المشكلة قبل أن يدفع المسؤول ثمن تجاهلها بقرار وحل؟
الأهالي لا يتحدثون عن شارع واحد يحتاج إلى إصلاح، ولا عن تجمع مياه يمكن شفطه ثم تنتهي الحكاية. هم يتحدثون عن واقع يقولون إنه يتكرر، وعن مياه وروائح وحشرات ومخاوف بيئية وصحية، وعن بيوت أصبحت المعاناة جزءًا من يومها، وعن أطفال لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا في المكان الخطأ من خريطة الخدمات. الطفل لا يعرف لماذا تعطل المشروع، ولا يعرف من الجهة التي يجب أن يراجعها، ولا يعرف معنى «جارٍ التنفيذ» أو «قيد الدراسة» أو «تمت مخاطبة الجهة المختصة». الطفل يعرف فقط أنه يريد أن يمشي في طريق نظيف وآمن، وأن يصل إلى منزله دون أن يضطر إلى ملامسة مياه الصرف.
وهنا تصبح الصورة أكبر من مجرد صورة طفل؛ لأنها تكشف حجم المسافة بين ما يجب أن تكون عليه حياة المواطن وبين ما يقول أهالي طموه إنهم يعيشونه بالفعل. فالصرف الصحي ليس رفاهية يمكن تأجيلها حتى تتحسن الظروف، وليس مشروعًا تجميليًا يمكن أن ينتظر عامًا آخر، وإنما واحدة من أبسط الخدمات الأساسية التي يفترض أن تحمي المواطن وبيته وبيئته. وعندما يقول الأهالي إنهم يعيشون منذ سنوات وسط هذه الظروف، فإن الخطر الحقيقي ليس فقط في المياه الموجودة اليوم، وإنما في أن يتحول الاعتياد على الخطأ إلى شيء طبيعي، وأن يصبح المواطن معتادًا على الرائحة، ومعتادًا على سيارات الكسح، ومعتادًا على رؤية المياه، ومعتادًا على انتظار الحل، حتى ينسى الجميع أن هذا الوضع في الأصل غير طبيعي ولا يجب أن يكون مقبولًا.
والأهالي يقولون إنهم لم يقفوا مكتوفي الأيدي. طرقوا أبوابًا، وقدموا شكاوى، وخاطبوا جهات مختلفة، وناشدوا مسؤولين، وانتظروا أن يتحول الكلام إلى تنفيذ، لكنهم ـ بحسب روايتهم ـ لم يحصلوا حتى الآن على إجابة قاطعة تستطيع أن تنهي حالة الانتظار. يقولون بوضوح: «مشروعنا قائم منذ 30 سنة ولم يكتمل، ودلوقتي البلد عايمة على مياه الصرف الصحي.. خاطبنا كل المسؤولين وكل الجهات، ومحدش قادر يدينا ميعاد رد قاطع فاصل.» ثم تأتي الجملة التي ربما تختصر المشهد كله: «مبقيناش عارفين نعمل إيه.»
هذه ليست جملة عابرة ينبغي أن تمر في نهاية شكوى، لأنها تعني أن المواطن وصل إلى آخر حدود قدرته على الاحتمال. عندما يقول الأهالي «لم نعد نعرف ماذا نفعل»، فهذا يعني أنهم لم يعودوا يطلبون مجرد سماع صوتهم؛ هم يريدون أن يروا شيئًا يتحرك. يريدون أن يعرفوا أين ذهب المشروع، وما الذي عطله، وما الذي يحتاجه، ومن المسؤول عن استكماله، ومتى سيبدأ المواطن في رؤية النهاية بعينيه، لا في سماعها في تصريح جديد.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يوضع أمام الأجهزة المعنية ليس سؤالًا معقدًا: أين وصل مشروع الصرف الصحي في طموه؟ ما الذي تم تنفيذه؟ ما الذي تبقى؟ لماذا لم يكتمل؟ هل توجد معوقات؟ وما طبيعة هذه المعوقات؟ ومن يستطيع إزالتها؟ والأهم من كل ذلك: ما الموعد الحقيقي والنهائي الذي يمكن أن يعرفه المواطن لإنهاء هذه المعاناة؟
هذه الإجابات ليست ترفًا إعلاميًا، بل حق للمواطن الذي انتظر ثلاثة عقود. وإذا كانت هناك أسباب فنية أو مالية أو إدارية حالت دون اكتمال المشروع، فمن حق الأهالي أن يعرفوها بوضوح. وإذا كان المشروع يسير وفق خطة تنفيذ، فمن حقهم أن يعرفوا نسبة الإنجاز والموعد المحدد للانتهاء. وإذا كانت هناك مشكلة تحتاج إلى تدخل من مستوى أعلى، فهذه هي اللحظة التي يجب أن يصل فيها الملف إلى من يملك القدرة على إصدار القرار.
ومن هنا تأتي صرخة الأهالي إلى الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية: القضية لا تحتاج إلى إحالة جديدة لشكوى تنتهي في درج جهة أخرى، وإنما تحتاج إلى فتح الملف بصورة عاجلة، ومعرفة الحقيقة من أرض الواقع، وتحديد موقف المشروع، ومعرفة ما يمنع اكتماله، ثم وضع حل واضح بموعد واضح. فالأهالي، بعد ثلاثين عامًا، لم يعد لديهم ما يكفي من الصبر لسماع عبارة «جارٍ بحث الأمر»، لأنهم عاشوا المشكلة نفسها أكثر مما ينبغي لأي مواطن أن يعيشها.
وتأتي الرسالة كذلك إلى الدكتور أحمد الأنصاري، محافظ الجيزة: ربما يكون النزول إلى المكان هو أقصر طريق لمعرفة حجم الأزمة. لا تكتفوا بما يصل إلى المكاتب من تقارير، اذهبوا إلى الشوارع التي يتحدث عنها الأهالي، شاهدوا المياه، تحدثوا مع الأسر، اسألوا أصحاب المنازل عن تكلفة سيارات الكسح، وانظروا إلى الأطفال وهم يحاولون المرور. هناك، على الأرض، ستجدون أن المشكلة ليست رقم شكوى، وإنما حياة يومية كاملة تنتظر قرارًا.
وإلى الدكتور إبراهيم الشهابي، نائب محافظ الجيزة للمراكز والمدن، فإن المطلوب ليس وعدًا جديدًا يضاف إلى الوعود السابقة، وإنما متابعة يعرف الأهالي نتيجتها. المطلوب حل عاجل للتعامل مع الوضع الحالي، وفي الوقت نفسه تحريك الملف نحو الحل النهائي، مع تحديد واضح لما سيتم ومتى سيتم ومن يتابع التنفيذ، لأن المواطن الذي انتظر ثلاثين عامًا لا يستطيع أن يعيش على جملة «سيتم اتخاذ اللازم» إلى أجل غير مسمى.
الأخطر أن استمرار الوضع بهذه الصورة يفتح الباب أمام ما هو أكبر من مجرد شكوى خدمية. فحين تستمر مياه الصرف في محيط مساكن المواطنين، وحين تتكرر الروائح والمياه والطفوحات، وحين يتحرك الأطفال داخل هذه البيئة، يصبح من واجب الجهات المعنية أن تتعامل مع الأمر باعتباره خطرًا يجب منعه قبل أن يتحول إلى واقعة لا قدر الله. لا تنتظروا أن يصاب طفل حتى تتحركوا، ولا تنتظروا أن تقع كارثة حتى يعود الملف إلى مقدمة المشهد. فالتحرك الحقيقي ليس أن ننتظر وقوع الضرر ثم نبحث عن المسؤول، وإنما أن نمنع الضرر قبل وقوعه.
ومن بين الأهالي الذين نقلوا هذه الاستغاثة: رشاد أحمد رشاد الليثي، الحاج محمد أحمد أبو إبراهيم، محمد لاشين أبو سهل، محمد نجيب أبو موسى، محمد أحمد رشاد الليثي، محمد إبراهيم حرب، مصطفى علي السمان، ربيع أبو الخير، علي أبو الخير، أحمد حسين، عبدالحميد محسن راشد، مصطفى يحيى أبو هنيدي، هاشم محمود لازم، أحمد هاشم لازم، عمر مجدي جوهر، محمود مجدي جوهر، إسلام محمد عبده الليثي، ومحمد حازم الليثي، وجميع أهالي طموه. أسماء كثيرة، لكن خلفها مطلب واحد لا يحتاج إلى شرح طويل: أن يعيشوا حياة طبيعية.
والحياة الطبيعية بالنسبة لهم ليست رفاهية، ولا تعني الحصول على شيء استثنائي. هي أن يستطيع الطفل الوصول إلى منزله دون المرور في مياه ملوثة، وأن تستطيع الأسرة أن تفتح أبوابها ونوافذها دون أن تحاصرها الروائح، وأن يتوقف استنزاف الدخل في سيارات الكسح، وأن تتحول خدمة الصرف الصحي من مشروع طال انتظاره إلى واقع يعمل بكفاءة، وأن يشعر المواطن أن الدولة تسمعه عندما يستغيث، لا أن يظل صوته معلقًا بين جهة وأخرى.
ثلاثون عامًا من الانتظار تجعل السؤال اليوم أكثر قسوة: لو لم يكن هذا هو الوقت المناسب لإنهاء المشكلة، فمتى يكون؟ ماذا ننتظر؟ أن يكبر الأطفال؟ أن يصبح المشهد أكثر سوءًا؟ أن ترتفع التكلفة؟ أن تقع كارثة؟ لماذا لا يتحرك الملف الآن، قبل أن نضطر غدًا إلى كتابة قصة أخرى عن نتائج كان يمكن منعها بقرار واحد اليوم؟
إن «حواديت أون لاين» عندما تضع هذه القضية أمام المسؤولين لا تبحث عن صدام مع أحد، ولا تصدر حكمًا على جهة قبل أن تستمع إلى ردها، وإنما تضع أمام أصحاب القرار استغاثة موثقة بأصوات أهلها، وتفتح الباب أمام الجهات المختصة لتقديم الحقيقة كاملة للرأي العام. فإذا كان المشروع قد أنجز منه جزء، فليعرف الناس ما تم. وإذا كان هناك موعد للانتهاء، فليُعلن. وإذا كانت هناك معوقات، فلتُكشف. وإذا كان هناك احتياج لتدخل أو تمويل أو تنسيق، فليصدر القرار. المهم ألا تبقى القضية في المنطقة نفسها: شكوى تنتظر ردًا، ورد ينتظر إجراء، وإجراء ينتظر قرارًا، والمواطن ينتظر الجميع.
لقد طال الانتظار إلى الحد الذي يجعل الصمت نفسه مؤلمًا.
فالطفل الذي ظهر في الصورة لن يفهم لماذا انتظر مشروع الصرف ثلاثين عامًا، ولن تعنيه أسباب التأخير إذا اضطر إلى المرور في المياه للوصول إلى بيته. والأب الذي يدفع لسيارة الكسح لن يخفف عنه شيئًا أن يعرف أن هناك مراسلات متبادلة بين الجهات. والأم التي تخشى على أطفالها لن تجد في الوعود حماية لهم.
ما يحميهم هو الحل.
ولهذا فإن الرسالة اليوم يجب أن تكون واضحة وقوية: لا تجعلوا هذه الصورة تمر مثل غيرها. لا تجعلوا الاستغاثة تتحول إلى منشور على مواقع التواصل ثم تختفي. لا تجعلوا ثلاثين عامًا تتحول إلى أربعين. افتحوا الملف، انزلوا إلى الأرض، اعرفوا الحقيقة، أزيلوا المعوقات، أعلنوا الجدول الزمني، وابدؤوا التنفيذ.
لأن طموه لا تطلب المستحيل.
وطموه لا تطلب أكثر من حقها.
وطموه لا تريد أن تكون عنوانًا جديدًا لمعاناة قديمة.
طموه تريد فقط أن ينتهي هذا الكابوس.
ثلاثون عامًا من الانتظار تكفي.
ثلاثون عامًا من سيارات الكسح تكفي.
ثلاثون عامًا من الروائح والمياه والشكاوى تكفي.
وثلاثون عامًا من سؤال «إمتى؟» تكفي.
اليوم لا يحتاج الأهالي إلى وعد جديد.. يحتاجون إلى قرار.
والقرار، في النهاية، ليس رفاهية.
إنه مسؤولية.
لأن الطفل الذي يمشي اليوم وسط مياه الصرف ليس رقمًا في كشف شكاوى، والأسرة التي تدفع من قوتها لسيارات الكسح ليست مجرد اسم في قائمة متضررين، وطموه ليست مجرد منطقة تحتاج إلى خدمة.
إنهم مواطنون ينتظرون حقًا أساسيًا، وانتظارهم طال أكثر مما ينبغي.
ومن هنا يبقى السؤال أمام المسؤولين، لا أمام الأهالي:
بعد 30 عامًا من الانتظار.. هل تكون هذه هي اللحظة التي تتحول فيها استغاثة طموه من شكوى إلى قرار؟
فالوقت لم يعد وقت وعود.
والصورة لم تعد تحتمل التجاهل.
والأطفال لا يملكون ثلاثين عامًا أخرى للانتظار.
طموه تستغيث.. فهل يتحرك من يملك القرار قبل أن تتحول مياه الشوارع إلى كارثة لا يستطيع أحد وقتها أن يقول: «لم نكن نعلم»؟