
في قطاع غزة، لم يعد الموت جوعًا مجرد تعبير مجازي، بل بات واقعًا يوميًّا يعيشه سكان القطاع المحاصر، حيث تتقاطع نيران الحرب مع شبح المجاعة، وتحولت طوابير المساعدات إلى ساحات موت جماعي، أوقعت مئات القتلى خلال أسابيع قليلة.
مئات القتلى في طوابير الإغاثة
منذ بدء ما سُمي بـ”تخفيف الحصار” في مايو/أيار الماضي، سقط نحو 800 قتيل أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات غذائية، بحسب بيانات صادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية ووكالات أممية. وخلال اليومين الماضيين فقط، لقي أكثر من 100 شخص مصرعهم في مشاهد مأساوية تكررت في مناطق متفرقة من القطاع.
في رفح جنوب غزة، قُتل أكثر من 30 مدنيًا يوم السبت جراء إطلاق نار إسرائيلي قرب موقع لتوزيع المساعدات. وفي اليوم التالي، سقط نحو 80 قتيلًا في حادث مماثل بالقرب من معبر زكيم شمال القطاع، أثناء تجمع المدنيين في موقع تديره منظمة “مؤسسة غزة الإنسانية”، المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل.
مأساة متكررة وأرقام مفزعة
الدفاع المدني في غزة أعلن مقتل 9 أشخاص قرب مركز توزيع بمنطقة الشاكوش شمال غرب رفح، إضافة إلى 4 قتلى في دوار التحلية شرق خان يونس. كما أفاد برنامج الأغذية العالمي أن قافلة مساعدات مكونة من 25 شاحنة تعرضت لهجوم أثناء عبورها نقاط التفتيش، حيث أُطلقت النار على المدنيين المتجمعين حولها.
وفي يوليو الجاري، شهدت غزة أحداث عنف دامية من بينها تدافع أدى لمقتل 20 شخصًا، وغارة إسرائيلية استهدفت عيادة صحية وأسفرت عن مقتل أكثر من 12 مدنيًا.
«مؤسسة غزة الإنسانية».. توزيع تحت الحراسة
أنشئت “مؤسسة غزة الإنسانية” بدعم إسرائيلي وأمريكي بهدف إدارة توزيع المساعدات في أربع نقاط رئيسية داخل القطاع. وتقول المؤسسة إن الحوادث الدامية تقع خارج نطاق مراكزها وقبل موعد فتحها، مشيرة إلى أن الجوع يدفع الأهالي للتوافد منذ ساعات الفجر، رغم التحذيرات.
ورغم تبرير إسرائيل بأن هدف المؤسسة هو منع وصول المساعدات إلى حركة “حماس”، انتقدت منظمات حقوقية هذه المنهجية، معتبرة أنها تُقوض مبادئ الحياد والنزاهة في العمل الإنساني، وتعرض المدنيين للخطر المباشر.
شهادات من قلب المأساة
لؤي أبو عودة (24 عامًا)، أحد الناجين، وصف لحظات الرعب قائلًا:
“سقطت على الأرض وتظاهرت بالموت فقط لأبقى على قيد الحياة… لم أستطع حتى إخراج هاتفي لمعرفة الوقت”.
أما الطفلة أمينة وافي، من خان يونس، فقالت:
“أنا جائعة جدًا… أخاف أن أموت من الجوع”.
إسرائيل تبرر.. والمجتمع الدولي يندد
ردًا على الانتقادات، زعم الجيش الإسرائيلي أن قواته أطلقت “طلقات تحذيرية” لتفريق الحشود ومنع “تهديد مباشر”، لكنه نفى مسؤوليته عن الأعداد الكبيرة من الضحايا. وأكدت مؤسسة غزة الإنسانية بدورها أن مواقعها لم تشهد حوادث قتل خلال تلك الأيام.
لكن ذلك لم يمنع تصاعد الإدانات الدولية، إذ اتهمت 15 منظمة حقوقية إسرائيل بتقويض العمل الإنساني وتحويل توزيع الإغاثة إلى مشروع عسكري، مطالبة بتوفير ممرات آمنة للمدنيين والمساعدات.
مساعدات «لا تكفي» وطرقات «غير آمنة»
أعلنت الأمم المتحدة أن المساعدات التي تصل إلى غزة لا تلبي سوى نسبة ضئيلة من الاحتياجات الفعلية، مشيرة إلى أن غياب الطرق الآمنة ونقص الإمدادات يعوقان توزيع الغذاء والدواء. وقال توم فليتشر، رئيس وكالة الإغاثة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة:
“ما يُدخل إلى غزة اليوم ليس سوى قطرة في بحر من الاحتياجات”.
تظاهرت بالموت لأبقى حيًا .. كيف تحولت طوابير الخبز في غزة إلى فخاخ موت جماعي؟
كتبت: نانسى عادل



