كبار السن يفترشون الأرض من أجل «جرعة علاج».. عندما تتحول رحلة الدواء إلى معاناة أمام التأمين الصحي بالحوامدية

مرضى ينتظرون ساعات للحصول على علاجهم الشهري .. وكبار سن أنهكهم المرض والانتظار .. ومطالب عاجلة بمقاعد ومظلة وتنظيم أفضل للصرف ودراسة توصيل العلاج إلى المنازل

14 سبتمبر 2026آخر تحديث :
كتب: عماد جبر

كبار السن يفترشون الأرض من أجل «جرعة علاج».. عندما تتحول رحلة الدواء إلى معاناة أمام التأمين الصحي بالحوامدية
لم يكن المشهد أمام مقر التأمين الصحي بمدينة الحوامدية مجرد طابور من المواطنين ينتظرون إنهاء خدمة، ولا مجرد زحام يمكن أن يمر أمام أعين المسؤولين باعتباره أمرًا معتادًا، وإنما كان مشهدًا إنسانيًا قاسيًا يضع سؤالًا كبيرًا أمام كل من تقع على عاتقه مسؤولية رعاية المرضى: كيف يتحول الحصول على العلاج الشهري إلى رحلة من الانتظار والإرهاق، خصوصًا بالنسبة لكبار السن الذين لم تعد أجسادهم تحتمل الوقوف طويلًا؟ رجال ونساء تجاوز كثير منهم الستين والسبعين عامًا، جاءوا بحثًا عن جرعات علاجهم التي يحتاجون إليها بصورة منتظمة، لكن طول فترة الانتظار والمشقة التي تصاحب رحلة الحصول على الدواء تجعل المريض أمام معاناة فوق معاناته، فيما اضطر بعض كبار السن إلى افتراش الأرض من شدة التعب، في صورة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مشهدًا عابرًا.
هؤلاء لم يأتوا إلى المكان بحثًا عن رفاهية أو خدمة إضافية، وإنما جاءوا من أجل شيء أساسي في حياتهم: الدواء. دواء قد يرتبط باستقرار حالتهم الصحية وقدرتهم على ممارسة حياتهم بصورة طبيعية، ولذلك فإن رحلة الحصول عليه يفترض أن تكون أكثر رحمة وتنظيمًا، لا أن تصبح سببًا في إرهاق المريض وإجهاده. فكيف يمكن لرجل مسن يعاني من أمراض مزمنة أن يقف لفترات طويلة؟ وكيف تستطيع سيدة تجاوزت السبعين عامًا أن تتحمل الانتظار وهي بالكاد تستطيع الحركة؟ وماذا يفعل المريض الذي لا يجد مكانًا يجلس فيه عندما تخذله قدماه ويصبح الوقوف عبئًا يفوق قدرته؟
المشهد هنا لا يتعلق فقط بعدد المقاعد المتاحة أو بوجود مكان للانتظار، وإنما يرتبط بصورة أعمق بمفهوم كرامة المريض. فالمواطن الذي يصل إلى التأمين الصحي طالبًا علاجه لا ينبغي أن يجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن قطعة أرض يجلس عليها من شدة التعب، ولا أن يقف تحت أشعة الشمس لساعات، ولا أن يواجه ظروفًا تزيد من معاناته الصحية، خصوصًا إذا كان من كبار السن أو من أصحاب الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى رعاية وظروف أكثر ملاءمة.
والحقيقة أن المشكلة لا تبدأ لحظة جلوس المريض أو وقوفه فقط، وإنما تبدأ من طول رحلة الانتظار نفسها، إذ إن المريض الذي يأتي للحصول على حصته الشهرية من العلاج قد يكون مضطرًا إلى تخصيص جزء كبير من يومه لهذه المهمة، وقد يحتاج في بعض الحالات إلى أحد أفراد أسرته لمرافقته، وهو ما يعني أن الحصول على الدواء يتحول من إجراء يفترض أن يكون منظمًا وميسرًا إلى رحلة تحتاج إلى وقت وجهد وقدرة جسدية لا تتوافر لدى الجميع.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يمكن إعادة النظر في آليات صرف العلاج بما يخفف من فترات الانتظار ويعطي الأولوية الإنسانية لكبار السن والمرضى الأكثر احتياجًا؟ وإذا كانت هناك إجراءات لا يمكن تجاوزها، فهل يمكن تنظيمها بطريقة أفضل؟ وهل يمكن تخصيص آلية أكثر سرعة للفئات التي يصعب عليها الوقوف والانتظار؟ وهل يمكن الاستفادة من الوسائل التكنولوجية والتنظيمية الحديثة لتقليل التكدس وتوزيع المرضى على مواعيد أكثر انضباطًا؟
هذه الأسئلة ليست اتهامًا لأحد، وإنما هي جوهر التحقيق في قضية تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، لأن تحسين الخدمة الصحية لا يعني فقط توفير الدواء، وإنما يعني أيضًا أن يحصل المريض عليه في ظروف تحفظ صحته وكرامته. وقد يكون جزء من الحل أبسط بكثير مما يتصور البعض؛ فوجود مقاعد كافية ومناسبة أمام مكان الانتظار، مع توفير مظلة تحمي المرضى من حرارة الشمس والأمطار، يمكن أن يخفف جانبًا كبيرًا من المعاناة، خصوصًا أن هذه الإجراءات لا تبدو في حجمها أو تكلفتها من المشروعات التي تحتاج إلى سنوات حتى ترى النور.
لكن لماذا لا نذهب إلى حل أكثر شمولًا إذا كانت طبيعة بعض الحالات تسمح بذلك؟ لماذا لا تتم دراسة إمكانية توفير خدمة اختيارية لتوصيل العلاج الشهري إلى منازل كبار السن والمرضى غير القادرين على الحضور؟ الفكرة لا تعني بالضرورة تحميل هيئة التأمين الصحي أعباء مالية إضافية، إذ يمكن بحث نموذج للتعاقد مع شركة توصيل معتمدة وموثوقة وفق ضوابط تضعها الجهة المختصة، بحيث تكون الخدمة اختيارية، ويتحمل المريض تكلفة التوصيل إذا رغب في الاستفادة منها، مع ضمان أن يصل العلاج إلى صاحبه بطريقة آمنة ومنظمة.
ويمكن أن تبدأ هذه التجربة، إذا ثبتت إمكانية تطبيقها، بصورة محدودة للفئات الأكثر احتياجًا، مثل كبار السن غير القادرين على الحركة وأصحاب الأمراض المزمنة الذين يثبت عدم قدرتهم على تحمل مشقة الحضور والانتظار، ثم تتم دراسة نتائج التجربة وتقييمها قبل اتخاذ أي قرار بشأن توسيعها. وبهذه الطريقة يمكن تحويل فكرة إنسانية إلى نموذج عملي لا يمثل عبئًا كبيرًا على الدولة، وفي الوقت نفسه يوفر على المريض رحلة قد تكون شاقة ومؤلمة.
إن القضية إذن ليست مجرد مقعد أو مظلة أو خدمة توصيل، وإنما هي طريقة تعامل المجتمع ومؤسساته مع الإنسان عندما يصبح في أضعف مراحل عمره. فالذين يقفون اليوم في طوابير العلاج هم أنفسهم الذين وقفوا بالأمس في مواقع العمل، وتحملوا مسؤولياتهم، وربوا أبناءهم، وأداروا مصالحهم، وعملوا سنوات طويلة حتى بلغوا مرحلة العمر التي يحتاجون فيها إلى من يخفف عنهم لا إلى من يزيد عليهم المشقة.
كبار السن يفترشون الأرض من أجل «جرعة علاج».. عندما تتحول رحلة الدواء إلى معاناة أمام التأمين الصحي بالحوامدية
ولذلك فإن المشهد أمام التأمين الصحي بالحوامدية يستحق أن يصل إلى رئيس هيئة التأمين الصحي، وإلى محافظ الجيزة، ووكيل وزارة الصحة، ورئيس مدينة الحوامدية، وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ عن الدائرة، ليس من باب توجيه الاتهام إلى جهة بعينها، وإنما من باب وضع مشكلة واضحة أمام أصحاب القرار وطلب حل واضح لها. والمطلوب ليس مستحيلًا ولا يحتاج إلى شعارات؛ المطلوب أن يذهب المسؤول ويرى المرضى على الطبيعة، ويستمع إلى كبار السن، ويعرف منهم كم ينتظرون، وكيف ينتظرون، ثم يبدأ في وضع حلول قابلة للتنفيذ.
فإذا كان هناك ما يمكن فعله لتقليل مدة الانتظار، فليتم فعله، وإذا كان بالإمكان إعادة تنظيم عملية صرف العلاج، فلتتم دراستها، وإذا كان توفير المقاعد والمظلات ممكنًا، فلا ينبغي أن يبقى الأمر مجرد مطلب، وإذا كان توصيل العلاج إلى المنازل يمكن تطبيقه وفق ضوابط تحفظ المال العام وسلامة الدواء، فلماذا لا تبدأ دراسة جادة لهذه الفكرة؟
المسألة في النهاية ليست معركة بين مريض وموظف، ولا اتهامًا لمؤسسة، وإنما هي قضية خدمة عامة يجب أن تتطور باستمرار حتى تتناسب مع احتياجات المواطنين. والمريض الذي جاء إلى التأمين الصحي لا يريد أكثر من أن يحصل على علاجه ويعود إلى منزله، لكن المطلوب ألا يدفع من صحته ثمنًا إضافيًا للحصول على هذا العلاج.
وقد يرى البعض أن توفير مقعد أو مظلة أمر بسيط، لكن البسيط بالنسبة إلى المسؤول قد يكون عظيمًا بالنسبة إلى مريض أنهكه المرض والانتظار. وقد تبدو فكرة توصيل الدواء إلى المنزل مجرد خدمة إضافية، لكنها بالنسبة إلى مسن لا يستطيع الوقوف طويلًا قد تعني اختصار ساعات من المعاناة.
وهنا نصل إلى السؤال الذي يجب ألا يظل معلقًا: هل يمكن أن تتحول هذه المناشدة إلى تحرك حقيقي على الأرض؟ هل نرى قريبًا مقاعد تليق بكبار السن، ومظلة تحمي المرضى، وتنظيمًا يقلل زمن الانتظار، ودراسة جادة لتوصيل العلاج إلى الفئات التي لا تستطيع الحضور؟
كبار السن لا يطلبون امتيازات، والمرضى لا يطلبون رفاهية؛ إنهم يطلبون علاجهم فقط، لكنهم يستحقون أن يحصلوا عليه في ظروف تحفظ كرامتهم وتحمي صحتهم.
ومن أفنى عمره في خدمة أسرته ومجتمعه ووطنه، لا ينبغي أن تكون نهاية رحلة علاجه أن يفترش الأرض من شدة التعب انتظارًا لجرعة دواء.
هذه ليست رفاهية، وليست منّة، وليست مطلبًا مستحيلًا.
إنها ببساطة دعوة إلى أن تكون رحلة العلاج أكثر إنسانية.
والكرة الآن في ملعب أصحاب القرار: حلول بسيطة، وأثرها كبير، والمطلوب أن يبدأ التنفيذ قبل أن يصبح مشهد افتراش كبار السن للأرض أمرًا معتادًا.